السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
378
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وبسط اليد معناه واضح غير أن المراد به معنى كنائي ، ويختلف باختلاف الموارد فبسط الغني يده جوده بماله وإحسانه لمن يستحقه ، وبسط الملك يده إدارته أمور مملكته من غير أن يزاحمه مزاحم وبسط المأمور الغليظ الشديد يده على المجرم المأخوذ به هو نكاله وإيذاؤه بضر وزجر ونحوه . فبسط الملائكة أيديهم هو شروعهم بتعذيب الظالمين ، وظاهر السياق أن الذي تفعله الملائكة بهؤلاء الظالمين هو الذي يترجم عنه قوله : « أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ » الخ ؛ فهذه الجمل محكية عن الملائكة لا من قول اللّه سبحانه ، والتقدير : يقول الملائكة لهم أخرجوا أنفسكم ، الخ ؛ فهم يعذبونهم بقبض أرواحهم قبضا يذوقونه به أليم العذاب وهذا عذابهم حين الموت ولما ينتقلوا من الدنيا إلى ما وراءها ولهم عذاب بعد ذلك ولما تقم عليهم القيامة كما يشير إليه قوله تعالى : وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( المؤمنون / 100 ) . وبذلك يظهر أن المراد باليوم في قوله : « الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ » هو يوم الموت الذي يجزون فيه العذاب وهو البرزخ كما ظهر أن المراد بالظالمين هم المرتكبون لبعض المظالم الثلاثة التي عدها اللّه سبحانه من أشد الظلم أعني افتراء الكذب على اللّه ، ودعوى النبوة كذبا والاستهزاء بآيات اللّه . ويؤيد ذلك ما ذكره اللّه من أسباب عذابهم من الذنوب وهو قولهم على اللّه غير الحق كما هو شأن المفتري الكذب على اللّه بنسبة الشريك إليه أو بنسبة حكم تشريعي أو وحي كاذب إليه ، واستكبارهم عن آيات اللّه كما هو شأن من كان يقول : « سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ » . وكذلك قوله : أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ أمر تكويني لأن الموت والوفاة ليس في قدرة الإنسان كالحياة حتى يؤمر بذلك قال تعالى : وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا ( النجم / 44 ) فالأمر تكويني والملائكة من أسبابه ، والكلمة مصوغة صوغ الاستعارة بالكناية والاستعارة